تنبيه:
قال الخطيب البغدادي: "فأما الحديث الذي أخبرناه القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي بسنده عن صالح بن حسان عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "لا تكتبوا العلم إلا عمن تجوز شهادته.." فإن صالح بن حسان تفرد بروايته وهو ممن اجتمع نقاد الحديث على ترك الاحتجاج به لسوء حفظه وقلة ضبطه، وكان يروي الحديث عن محمد بن كعب تارة متصلا، وأخري مرسل، ويرفعه تارة ويوقفه أخرى.. وساق كل طرقه"، ثم قال: "على أن هذا الحديث لو ثبت إسناده وصـح رفعه، لكان محمولا على أن المراد به جواز الأمانة في الخبر بدليل الإجماع على أن خبر العبد العدل مقبول".
روى ابن حبان بسنده عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالخيف من منى فقال: "نضر اللّه عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لا فقه له وفي رواية "غير فقيه" ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يضل عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل والنصيحة لأولى الأمر ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تكون من ورائهم"[1] قال أبو حاتم: "الواجب على كل من ركب فيها آلة العلم، أن يرعى أوقاته على حفظ السنن رجاء اللحوق بمن دعا لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ اللّه جل وعلا أمر عباده باتباع سنته وعند التنازع الرجوع إلى ملته حيث قال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول} [2] ثم نفى الإيمان عمن لم يحكمه فيما شجر بينهم فقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [3] ولم يقل حتى يحكموا فلانا وفلانا فيما شجر بينهم ولا قال حرجا مما قضى فلان وفلان، فالحكم بين الله عز وجل وبين خلقه رسوله صلى اللّه عليه وسلم فقط، فلا نحب لمن أشعر الإيمان قلبه أن يقصر في حفظ السنن بما قدر عليه حتى يكون رجوعه عند التنازع إلى قول من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى صلى الله عليه وسلم وقد تقدم حديث "بلغوا عني ولو آية.." والأحاديث الواردة في تغليظ الكذب عليه صلى اللّه عليه وسلم كثيرة كما مر أيضا.
ثبوت السنة وترغيب النبي في طلبها من حاملها ووصيته بالمرتحلين فيها:
لقد كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم له السبق في دفع الناس إلى طلب العلم والتعلم والترغيب فيه روى عبد الرحمن بن أبى حاتم بسنده عن أبي صلح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة.." وروى بسنده عن كثير بن قيس قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فأتاه رجل فقال: "يا أبا الدرداء جئتك من المدينة مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول اللّه" قال: ولا جئت لحاجة؟" قال: "لا"، قال: "ولا جئت لتجارة؟" قال: "لا"، قال: "ولا جئت إلا لهذا الحديث؟" قال نعم، قال: فإني سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك اللّه عز وجل به طريقا من طرق الجنة وإن الملائكة لتضـع أجنحتها رضا لطالبي العلم.." وروى أيضا بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إن الناس لكم تبع" قال فكان إذا أتوه قال مرحبا بوصية رسول اللّه، قال لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إنه سيأتيكم أناس من أقطار الأرض يتفقهون في الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا.." قال عبد الرحمن بن أبي حاتم:.. وقد روي عن عبد اللّه بن مسعود، وعبد اللّه ابن عباس وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد اللّه، وعقبة بن عامر، وقيس بن عبادة، وخلق من التابعين وأتباعهم يطول ذكرهم في رحلة بعضهم في طلب العلم الآثار وترغيب بعضهم فيها، أمسكنا عن ذلكَ اكتفاء بما جاء فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم.. ولما أوصى النبي بطالبي الآثار والمرتحلين فيها ونبه عن فضيلتهم علم أن في ذلك ثبوت الآثار بنقل الطالبين الناقلين لها ولو لم تثبت الأخبار بنقل الرواة لها لما كان في ترغيب النبي صلى اللّه عليه وسلم معنى.. قال بن أبي حاتم مستدلا على ما تقدم بما جاء في أول كتابه: "بدأنا في ذكر ثبوت السنن بنقل الرواة لها بما حضرنا من الدلائل الواضحة من كتاب اللّه عز وجل وأخبار رسوله صلى اللّه عليه وسلم إذ كان قوم من أهل الزيغ والبدع زعموا أن الأخبار لا تصح بنقل الرواة لها وأن طريق صحتها إجماع العامة عليها فأتينا في ذلك وفي إبطال دعواهم ودحض حجتهم بما رأيناه كافيا".
الجرح والتعديل وبيان أحوال الرواة ونفى تهمة الكذب عن الصحابة في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كل حديث اتصل إسناده بين من رواه والنبي صلى اللّه عليه وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى النبي لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللّه لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن فمن ذلك قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} [4] وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [5] وهذا اللفظ وإن كان عاما فالمراد به الخاص، وقيل هو وارد في الصحابة دون غيرهم، وقوله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} [6] وقوله: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [7] وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [8].. وقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [9] في آيات كثيرة يكثر إيرادها ويطول تعدادها، ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة مثل ذلك أطنب في تعظيمهم وأحسن الثناء عليهم، فمن الأخبار المستفيضة عنه في هذا المعنى ما رواه مسلم بسنده عن عبيدة السلماني عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي القرن الذي يلوني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" وروى بسنده عن عبيدة عن عبد الله قال: قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس خير قال: "قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه وتبدر يمينه شهادته فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة، قال ثم يتخلف من بعدهم خلف تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" وروى أيضاً عن أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فلا أدري في الثالثة أو في الربعة قال ثم يتخلف من بعدهم خلف تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" كذلك عن أبي هريرة وعمران بن حصين بعدة روايات وفيها والله أعلم أذكر الثالث أم لا..
ولكن رواية عائشة رضى الله عنها خلت من الشك في العدد قالت سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس خير قال: "القرن الذي أنا فيه ثم الثاني والثالث" [10] وقد حفظه كذلك عبد اللّه بن مسعود وعمران بن حصين وبه رواه الخطيب البغدادي [11] قال النووي بعد ذكر اختلاف العلماء في تحديد مدة القرن: "والصحيح أن قرنه صلى اللّه عليه وسلم الصحابة والثاني التابعون والثالث تابعوهم..".
قال ابن القيم: "فقد اتفقت الأحاديث على قرنين بعد قرنه صلى اللّه عليه وسلم إلا حديث أبي هريرة فإنه شك فيه، وأما ذكر القرن الرابع فلم يذكر إلا في رواية في حديث عمران بن حصين لكن في الصحيحـين له شاهد من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى رسول الله فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزوا فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب رسول اللّه فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزوا فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب صحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم" فهذا فيه ذكر قرنين بعده كما في الأحاديث المتقدمة ورواه مسلم.. فذكر فيه ثلاثة بعده ولفظة يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون أنظر هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيوجد الرجل فيفتح لهم به ثم يبعث البعث الثاني فيقولون هل فيكم من رأى أصحاب رسول اللّه فيفتح لهم ثم يبعث البعث الثالث فيقال انظروا هل ترون فيهم من رأى أصحاب أصحاب رسول الله فيفتح لهم ثم يكون البعث الرابع فيقال أن انظروا هل ترون فيم أحدا رأى من رأى أحدا رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيوجد الرجل فيفتح له" [12].
تحريم سب الصحابة
سب الصحابة رضي اللّه عنهم من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون، فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها عليها وكلهم عدول ولم يخرج شيء من ذلك أحدا منهم عن العدالة لأنهم مجتهدون كما قلنا اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما اختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم، يقول النووي: "واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهـة فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام قسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف وأن مخالفه باغ فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده، وقسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه، وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين وأن الحق معه لما جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال البغاة عليه فكلهم معذورون رضي الله عنهم.." .
ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم رضي الله عنهم أجمعين وعن تحريم سبهم روى مسلم بسنده عن أبي صالح عن أبي هريرة قال، قال: رسول الله صلى عليه سلم: "لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهابا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه.." وروى بسنده عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: "لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه.." قال النووي: قال القاضي عياض: وسب الصحابة من المعاصي الكبائر ومذهبنا ومذهب جمهور أنه يعزر ولا يقتل وقال المالكية يقتل"[13] قال الخطابي: النصيف بمعنى النصف كما قالوا الثمين بمعنى الثمن والمعنى أن جهد المقل منهم واليسير من النفقة الذي أنفقوه في سبيل اللّه مع شدة العيش والضيق الذي كانوا فيه أوفى عند الله وأزكى من الكثير الذي ينفقه من بعدهم" [14] .
قال القاضي عياض: "ويؤيد هذا ما جاء عن الجمهور من تفضيل الصحابة كلهم على جميع من بعدهم، وسبب تفضيلهم نفقتهم أنها كانت في وقت الضرورة وضيق الحال بخلاف غيرهم، ولأن إنفاقهم كان في نصرته صلى الله عليه وسلم وحمايته، وذلك معدوم بعده وكذلك جهادهم وسائر طاعاتهم وقد قال الله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا..}الآية [15] هذا كله مع ما كان في أنفسهم من الشفقة والتودد والخشوع والتواضع وإيثار الجهاد في الله حق جهاده وفضيلة الصحابة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". وروى الخطيب بسنده عن أبي زرعة يقول: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق.. وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق والقرآن حق وإنما أدي إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه سلم, وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة" [16].
لماذا لا نجرح الصحابة!
لأنهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته، وإقامة دينه وإظهار حقه فرضيهم له صحابة.
وجعلهـم لنا أعلاما وقدوة. فحفظوا عنه ما بلغهم عن اللّه عز وجل، وما سن وما شرع وحكم وقضى، وندب وأمر ونهى وحظر وأدب.
فالصحابة رضي الله عنهم هم الناس بكتاب الله وسنة رسول الله صلى عليه وسلم وانظروا قضاءه وحكمه فيما اختلف الناس فيه، وشهدوا أخلاقه وآدابه، وأحواله وتصرفه في السلم والحرب والمعاهدات، وأمور الدنيا والآخرة، واستقى كل منهم بقدر استعداده من ينبوع الفيض الرباني.
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فيما رواه البخاري بسنده عن ابن الشهاب قال: قال حميد بن عبد الرحمن، سمعت معاوية خطيبا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم واللّه يعطى، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر اللّه لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله.." وتسابق الصحابة في أخذ ما يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ووعوه وأتقنوه ففقهوا في الدين وعلموا أمر اللّه ونهيه ومراده- بمعاينة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتلقفهم منه واستنباطهم عنه.
فشرفهم الله بما منّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز، وسماهم عدول الأمة، فقال عز وجل في كتابه {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس} ففسر النبي صلى اللّه عليه وسلم عن اللّه عز ذكره قوله: {وَسَطاً} قال: "عدلا.." فكانوا عدول الأمة، وأئمة الهدى وحجج الدين ونقلة الكتاب والسنة، وسندهم عال فليس بينهم وبين اللّه إلا واسطتان النبي وجبريل عليهما السلام.
وقد قال قائل: فكيف جرحتم من بعد الصحابة؟ كما ظهر ذلك من عناية أئمة الحديث بحفظ السنن على المسلمين وذب الكذب عن رسول رب العالمين، ولولاهم لتغبرت الأحكام عن سنتها حتى لا يعرف أحد صحيحها من سقيمها والملزق بالنبي صلى اللّه عليه وسلم والموضوع عليه مما روى عنه الثقاة والأئمة في الدين، فإن قال قائل: كيف جرحتم من دون الصحابة وأبيتم ذلك في الصحابة والسهو قد يقع منهم كما وجد فيمن بعدهم من المحدثين؟ يقال له: إن اللّه نزه أقدار أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ثلب قادح، وصان أقدارهم عن وقيعة متنقص، وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم.
وقد قال اللّه: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} ثم قال: {يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} فمن أخبر اللّه أنه لا يخزيه يوم القيامة فقد شهد له باتباعه ملة إبراهيم حنيفا لا يجوز أن يجرح بالكذب، لأنه يستحيل أن يقول اللّه: {يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} ثم يقول النبي صلى اللّه عليه وسلم: "من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" فيطلق النبي صلى اللّه عليه وسلم إيجاب النار لمن أخبر اللّه أنه لا يخزيه يوم القيامة، بل الخطاب وقع على من بعد الصحابة.
وأما من شهد التنزيل، وصحب الرسول صلى اللّه عليه وسلم فالثلب لهم غير حلال، والقدح فيهم ضد الإيمان والتنقيص لأحدهم نفس النفاق، لأنهم خير الناس قرنا بعد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بحكم من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى صلى اللّه عليه وسلم.
وأن من تولى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إيداعهم ما ولاه اللّه بيانه للناس لا يجرح، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يودع أصحابه الرسالة وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب إلا وهم عنده صادقون جائزوا الشهادة، ولو لم يكونوا كذلك لم يأمرهم بتبليغ من بعدهم ما شهدوا منه، لأنه لو كان كذلك لكان فيه قدحا في الرسالة، وكفى بمن عد له رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفا، وأن من بعد الصحابة ليسوا في مرتبهم.
والصحابة ندب اللّه عز وجل إلى التمسك بهديهم والجري على منهاجهم، والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم فقال: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [17].
وثبت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد حض على التبليغ عنه في أخبار كثيرة ووجدناه يخاطب أصحابه فيها، منها أن دعا لهم فقال: "نضر اللّه امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره".
وفي رواية زيد بن ثابت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "نضر اللّه امرأ سمع منا حديثا فحفظه وبلغه غيره، فرب حامل فقه ليس بفقيه"، وفي رواية، "ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يضل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل للّه، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة فان دعوتهم تحيط من ورائهم" وغير ذلك.
وقال صلى اللّه عليه وسلم في خطبته: "فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه لعله أن يبلغه من هو أوعى له" وقال: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عني ولا حرج".
وهذا وغيره مما أمر به الصحابة أولا، ثم أمروا إلى نقله إلى من بعدهم مع المحافظة على المنقول من الزيادة وطلب الوعي والضبط.
منع الرواية عن الضعفاء... والتثبت في تحملها
يقصد بهذا العنوان تأكيد ما سبق ووضع قاعدة لمن تؤخذ عنهم الرواية ومن تطرح روايتهم أو يتوقف فيها حتى يبين أمرهم.. روى عبد الرحمن بن أبي حاتم بسنده عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبـي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "سيكون في آخر الزمان ناس من أمتي يحدثونكم بما لم تسمعوا به أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم.." وروى أيضا بسنده عن شراحيل بن يزيد يقول: حدثني مسلم بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "يكون آخر الزمان دجالون [18] كذابون يأتونكم من الأحاديث ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلوكم ولا يفتنوكم..".
قال عبد الرحمن: "لما أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بكذابين يكونون في آخر الزمان يكذبون عليه علم أن الأول وهم الصحابة خارجون من هذه الجملة وزائل عنهم التهمة" [19] ورواه مسلم بسنده عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "سيكون في آخر الزمان أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم" وروى بسنده أيضا عن مسلم بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "يكون في الزمان دجالون كذابون به" وروي مسلم أيضا بسنده عن مجاهد قال بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه فقال: يا ابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي أحدثك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا تسمع.. فقال ابن عباس: "إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب[20]والذلول لا نأخذ من الناس إلا ما نعرف". إلى غير هذه الروايات وهي كثيرة، وحاصلها أنه لا يقبل رواية المجهول وأنه يجب الاحتياط في أخذ الحديث، فلا يقبل إلا من أهله، وأنه لا ينبغي أن يروى عن الضعفاء، وسيأتي المراد بالضعف الذي تطرح الرواية بسببه.
بيان أن الأخبار من الدين والتحرز من التوقي فيها.
هنا بيان أن الإسناد من الدين وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقاة، وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب، وأنه ليس من الغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة، وسيأتي زيادة في هذا.. روى عبد الرحمن بن أبي حاتم عن ابن سيرين قال: "إنما هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذونه".
وروى أيضا بسنده عن محمد بن سيرين قال: "إن هذا الحديث دين فانظروا عمن تأخذونه ومرة يروى بلفظ أن هذا العلم دين به.." ويروى أيضا عن ابن سيرين بلفظ: "انظروا عمن تأخذون هذا الحديث فإنما هو دينكم.." وروى بسنده.. قال ابن شهاب: "إذا حدث لي بالإسناد ويقول: لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة".
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن بهز بن أسد يقول إذا ذكر له الإسناد الصحيح: "هذه شهادات العدول المرضيين بعضهم على بعض"، وإذا ذكر له الإسناد فيه قال: "هذا فيه عهدة"، ويقول: "لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم ثم جحده لم يستطع أخذها منه إلا بشاهدين عدلين، فدين الله عز وجل أحق أن يؤخذ فيه بالعدول". وروى مسلم بسنده عن عاصم الأحول عن ابن سيرين قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".
قال مسلم رحمه اللّه في مقدمة كتابه: "اعلم أن الواجب على أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقاة الناقلين لها من المتهمين أن لا يروى منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان من أهل التهم والمعاندين من أهل البدع".
قال النووي: قال العلماء من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول: المبتدع الذي يكفر ببدعته لا تقبل روايته بالاتفاق، وأما الذي لا يكفر بها فاختلفوا في روايته: فمنهم من ردها مطلقا لفسقه ولا ينفعه التأويل، ومنهم من قبلها مطلقا، إذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه سواء كان داعية إلى بدعته أو غير داعية وهذا محكي عن الإمام الشافعي لقوله أهل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة لكونهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم ومنهم من قال: تقبل إذا لم يكن داعية لبدعته ولا تقبل إذا كان داعية وهذا مذهب كثيرين أو الأكثر من العلماء وهو الأعدل الصحيح وقال بعض أصحاب الشافعي: اختلف أصحاب الشافعي في غير الداعية واتفقوا على عدم قبول الداعية.. وقال أبو حاتم ابن حبان - بكسر الحاء - : "لا يجوز الاحتجاج بالداعية عند أئمتنا قاطبة لا خلاف بينهم في ذلك".
وأما المذهب الأول فضعيف جدا ففي الصحيحين وغيرهما من أصحاب السنن وأئمة الحديث الاحتجاج بكثير من المبتدعة غير الدعاة، ولم يزل السلف والخلف على قبول الرواية منهم والاحتجاج بها والسماع منهم وإسماعهم من غير إنكار منهم، وروى مسلم بسنده في كون الإسناد من الدين عن سليمان بن موسى قال: "قلت لطاووس إ ن فلانا حدثني بكذا وكذا"، قال: "إن كان صاحبك مليا فخذ عنه".
(مليا): يعنى ثقة ضابطا متقنا يوثق بدينه ومعرفته ويعتمد عليه كما يعتمد على معاملة الملي بالمال ثقة بذمته.. وروى مسلم بسنده أيضا عن أبي الزناد عن أبيه قال: "أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال ليس من أهله".
وروى بسنده عن مسعر قال: "سمعت سعد بن إبراهيم يقول لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الثقاة.." وروى بسنده عن عبد الله بن المبارك يقول: "الإسناد من الدين ولو لا الإسناد لقال من شاء ما شاء". ويقول أيضا: "بيننا وبين القوم القوائم.." ومعنى هذا الكلام إن جاء بإسناد صحيح قبلنا حديثه وإلا تركناه فجعل الحديث كالحيوان لا يقوم بغير إسناد كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم..
|